الرياض في اربعة فصول
الرياض، تلك المدينة التي توسطت شبه الجزيرة في اعماق الصحراء. لم تختر ان تكون على ضفاف البحر الاحمر غرباً او الخليج العربي شرقاً، اختارت ان تكون هي الرياض، عاصمة لأرض الحضارات تاريخياً، وموطننًا للمملكة العربية السعودية.
الفصل الأول: التصور
الرياض كانت بالنسبة لي صورة، صورة لساحةً فيها أغراض منثورة حول “فتّاحة بيبسي”، لم ارى اي شيء مميز فيها عدا ما توسطها كأضخم فتاحة بيبسي رأيتها في حياتي. لم يكن هناك ما يجذبني الى هذه الساحة ذو المساحة الواسعة الا ان الغموض الذي دار حولها ازداد فترة بعد اخرى لما لقته من اهتمام وهي حتى لا تحتوي بحراً! كيف لمدينة يعيشها بشر ان يعيشوا بلا بحر؟ فاتتبعت ما يقال “اذا وجد السبب بطل العجب” لذا وجب ان ازور الرياض لعلي اسقي سكان هذه المنطقة فيما هم من جفاف كما بدا لي من جغرافيا الرياض.
الفصل الثاني: الرحلة
توجهت لمحطة القطار كي انطلق لوجهتي وانفذ مهمتي. وطئت قدمي ذلك المبنى ذو التصميم القديم العريق، التفت لليمين ثم لليسار فلم اجد الا الهدوء المزعج، لم اتوقع هذا الاستقبال، يميني يافطة كبيره يتوسطها عبارة “اشرب كوكا كولا… دليل الذوق الممتاز”، ويساري يافطة اخرى “سيجارة بارليمنت… تحافظ على صدرك الرقيق”. تقدمت الى الامام وفي وجهي رجل أشعث أغبر لم ارى مثله قط، صابني بعض الهلع ، لم ادري كيف سأتواصل معه او بأي عملة ساشتري التذاكر، عشت كل هذه الرهبة في ثواني معدودة، حتى وصلت الى طاولته، أشار الى اسعار التذاكر، فقدمت له قيمتها، سلمني التذكرة وأشار الى جهة بوابة القطار ولم ينطق اي حرف. هدئت من روعي ثم سرت سريعا لبوابة الخروج الى القطار، كان قطارًا طويلا شامخاً بينما عاث عليه الزمن، لم افهم لماذا بدا كذلك حتى انتبهت لسنة الصنع “١٩٥١م”. بين الطُرفة والرهبة، لم اعرف اين كنت ساتوجه، هل سأركب الة الزمن الى ما قبل ٧٠ سنة! ام انني في حلم يقوده النوستالجيا، رضيت بقدري وتذكرت مهمتي فركبت القطار واغمضت عيني لعلي استيقظ في سريري او اصل الى الرياض لأحقق هدفي.
الفصل الثالث: الواقع
قمت من سباتي لتقابل عيناي الرياض، ولم يزل صوت “بوري” القطار يرن في اذني وكأنه يتكلم بإسم الملز التي استقبلتني فور خروجي من المحطة بالضجيج المريح، ايقنت اني وصلت خير لمّا لاح لي وجه الرياض. بدأت رحلتي لاستكشاف ما هو محال، انطلقتت في أرجاء الرياض، هنا التحفة العمارية “مبنى الداخلية” وهناك قصر المربع التاريخي يحكي ارث المؤسس في بناء مدينة توسعت ٤٠ كيلو متر شمالًا! كم انبهر كلما قرئت هذا الرقم ونظرت الى الخارطة. اكملت طريقي لشمال الرياض حيث وقفت تلك الأبراج متوزعة في ذلك المثلث الذي يدعى “المركز المالي”، ومن الدائري الشمالي انطلقت الى الدرعية، الاخت الكبرى للرياض عمرًا والتي وثقت عبق الزمان وشهدت المستقبل في نمو اختها عبر العقود.
الفصل الرابع: التأمل
لم تنتهي رحلتي في الرياض، طالت وستدوم ما دمت على قيد الحياة، هذه الرحلة كانت الجزء الاول في تبرير الرياض مما اوقعته علي من سحر بلا بحر، وقد عرفت البحر منذ صغري وقد سحرني في حب المنطقة الشرقية، اما الرياض فالسحر لم يكن بحر، السحر كان صعب السؤال ذا ردة فعل بارزة، فعندما ترى الرياض تتبين لك ملامح جذابة اينما وقعت عيناك عليها، وجمالها ينبض في الشجون لما داخلها. اهملت الجغرافيا والتضاريس حين تنقلت في قلب الرياض او بالأصح حينما تعلقت الرياض في قلبي. كان المفتاح هو فتاحة بيبسي توسطت الرياض حيث تجد سعادة ومرح “وبيبسي… منعشة ولذيذة”!

أضف تعليق