الثامن من حزيران

بعد انقطاعٍ طويل، أعود الليلة بخواطر مشتّتة، ليست عن مدينةٍ سكنت قلبي، ولا ناموسٍ ارتوى من نزيف دمي… لا عن وباءٍ تفشّى، ولا عن رحيلٍ منه نخشى. حسنًا، سأدع القوافي لأهلها، ولنتحدّث سويًّا… بهدوء.

منذ أعوام، والنوستالجيا أصبحت جزءًا منّي. تمكّنت من واقعي الظاهر أمام الملأ، متلبّسةً مظهري لماضٍ لم أعشه قط. أصبحتُ أنا في كل مكان، الرجل الذي يعيش حياةً ليست حياته.

لم أتصوّر وضعي الراهن، حتى بدأت التعليقات تتناثر من حولي… بكل صراحةٍ مؤذية، وجرأةٍ معدية. الغريب؟ أن مَن أطلق الرصاصة الأولى لم يكن قريبًا ولا غريبًا. بل كان هو بالتحديد، ما بين البَين. كان قريبي وغريبي، من افتتح صفحة الانتقاد… هو أنا.

لم أعتقد يومًا أن أكون في علاقة ”سامة“ كما يسمّونها، خاصّةً وأنّ الطرف الآخر… هو ذاته الظالم والمظلوم. هذا ما دفعني إلى التساؤل: أَيُعقل أن يكون المرء هو الجاني على نفسه؟ بعد كل هذه السنين، مَن أكون؟ أأكون براقش قصتي… أم علاء الدين؟

ربما كانت قبعتي مصدر الحنين. ذلك الحنين الذي سيّر طلال إلى زمان الصمت، وهو الذي كان يهرج والكل من حوله سكوت. لم أكن بعيدًا عمّا جرى له، فالحنين آخّاذٌ دون إذنٍ أو سؤال، ولعلّ التمرّد على الزمان هو الملجأ الوحيد حين ترتطم أرواحُنا بسقف الأمل.

وجدتُ نفسي محاطًا بالقيل والقال:

”يعيش زمانًا ليس بزمانه“، ”يعيش بعمرٍ أكبر من سنّه“، ”ماله ومال الطيبين؟“ يا لهم من طيبين، وما أدراك ما الطيبين!

أن ترتدي رداء غيرك، أمرٌ غير مريح إطلاقًا. تارةً يكون خانقًا، وتارةً يكون فضفاضًا. أتذكّر أول يومٍ لي في الرياض. توجّهتُ إلى السوق الشعبي أبحث عن مظهرٍ جديد، شيء يُشبهني أكثر ممّا يُشبههم. لم تأخذ الرحلة أكثر من ثوانٍ معدودة… فالجديد دائمًا ما يتألّق في الصفّ الأمامي.

ثوب النوم! ياه، كم بدا متلألئًا في ناظري. بقدر ما كان بسيطًا، كان كافيًا ليبدو ملائمًا في أعين من يبحث عن الوجاهة. إلا أنّه رجعيٌّ بعض الشيء، وكم يعشق محدثُكم الخروج عن المألوف وخرق القوانين. وقد جاء قرار منع ارتداء ثوب النوم في الأماكن العامة بعد أسبوعٍ تمامًا من اعتمادي له كمظهري الحديث. وما المشكلة؟ أليس كل ممنوعٍ مرغوب؟

أردتُ أن أضع نهايةً لهذا المقال كي لا يبدو مبعثرًا. قد يكون التخفي في لباسٍ قديم إحدى طرق الهروب من الواقع الحاضر، لكنه بالتأكيد سبيلٌ مُرهق. أن تتنكّر بهيئة رجلٍ قد مات وولّى… أن تتشبّث بروحه، بصوته، بأفكاره، أن تعيش مكانه دون أن تكونه… هو أشبه بالعيش روحًا بلا جسد، ويا لقسوةِ غُربة الروح.

٨ يونيو ٢٠٢٢

أضف تعليق