قراءة انطباعية لـ الليالي البيضاء
سأحاول التحدث عن تجربتي مع هذا الكتاب بكل حيادية، مع ذكر السياق. رواية الليالي البيضاء هي حقًا أول كتاب أقرأه للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، فضلًا عن أنه من أوائل الروايات التي أقرأها بنية أن تكون بوابتي لعالم الرواية والفنتازيا وإلى غير ذلك من الآداب. وبعد مشورة وبحث دقيق، رسوت على أن أبدأ مشواري مع دوستويفسكي بهذه الرواية، ثم ألحقها بقائمة كنت قد استشرت فيها “الكُتُبي” في المكتبة، وقد أشار عليّ بعدة أسماء وبترتيب محدد.
لا شك لدي أن هذه الرواية قصيرة جدًا، فثلث الكتاب هو سيرة ذاتية للكاتب، وقد لا تتعدى الرواية مدى المئة صفحة. ومع ذلك، لا أجد ما يجعل هذا الكتاب ثقيلًا من ناحية فلسفية، ولربما أنني قد أجد في مضمون النص بعضًا من “الكليشيهات”، إلا أنني سرعان ما أدركت أن النص كُتب قبل قرابة مئتي عام، ما قد يُبرّئه من تهمة السردية المبتذلة. بل على العكس، لعله كان هو من أسس هذه السردية التي تُدعى اليوم “كلاسيكية”، وبالأحرى تلته الأعمال الأدبية التي حاكت أسلوبه، فولد على إثر ذلك الكليشيه.
استمتعت كثيرًا بالأسلوب أصلًا، ثم ترجمةً، والفضل كما يبدو لي يعود لسامي الدروبي. فعندما بدأت أستشير القراء في أعمال دوستويفسكي، كانت الإجابة: “سامي الدروبي” وكفى. ومنذ ذلك الحين أصبحت أبحث عن اسم المترجم قبل المؤلف او حتى اسم الكتاب! وهذا من شأن التعريب وفضل العرّاب سامي الدروبي، الذي قام بدبلجة لا ترجمة – اسمحوا لي هذا الوصف – نصوص دوستويفيسكي، بإيصال أفكار الكاتب، وخلفية النص، وموضوعيته من حيث الزمان والمكان.
لا يسعني إلا أن أقول: أن هذا النص حقًا شدّني كي أغوص في عقل دوستويفسكي. وقد قرأت له – قبل هذا النص – رسالته الشهيرة، بعد أن حُكم عليه بالإعدام. نقلتني هذه الكتابة إلى عالم الأدب، بعدما كنت أظن أن لي فيه مركبًا أبحر فيه من سنين. غدوت هذه المرة، بمجرد قراءتي لكتاباته من فوق السطح، أغوص نهمًا نحو أعماق هذا البحر من الأدب. وبالرغم أن الغوص في كثير من الأحيان يقابله الغرق، إلا أنني أجد متنفسًا في أعماق هذا البحر. حقًا، لم يكذبوا حين قالوا: ”في أحشائه الدرُّ كامنٌ.“
كي لا أستطرد كثيرًا، فقد تحدثت عن كل شيء عدا النص. تأطير الحب كما ظهر في هذه الرواية هو الأقرب للواقع، لا سيما أن الرومانسية باتت لغة الحب في عصرنا هذا. إلا أنني أعتقد – رغم درايتي البسيطة – أن الحب كما صوّره فيودور في هذا النص: هو الأصدق تاريخيًا، بعيدًا عمّا ينسجه الخيال من فنتازيا. ألم ندرك بعد أن ”الخيال جريمة الشعراء“؟!
أعتقد أنني سأقرأ لاحقًا لعدد من الكتّاب إلى جانب دوستويفسكي، مثل كافكا، وكامو، وربما إدغار آلان بو. ولعل الحب سيكون أحد أبرز الأفكار المتناولة، لا العواطف، ومع ذلك، لا أعتقد أنني سأجد تصويرًا للحب أكمل من تلك الصورة التي رسمها دوستويفسكي في الليالي البيضاء. فرغم بساطة النص، وقصر الرواية، فإن الديناميكية التي يصور بها الحب، بكل ما فيه من شد وجذب، هي أكمل صورة لقصص الحب من وجهة نظري. بما يتآلف فيها من صراعات داخلية في نفس كل طرف، وخارجية كما تختلف في كل حكاية.

أضف تعليق